ابن كثير

317

البداية والنهاية

بالعزم ، واستدعى بالحارث السمرقندي فاستقره فأقر له بجملة الامر ، وأخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعة من الأمراء أسماهم له ، فاستكثرهم المعتصم واستدعى بابن أخيه العباس فقيده وغضب عليه وأهانه ، ثم أظهر له أنه قد رضي عنه وعفا عنه ، فأرسله من القيد وأطلق سراحه ، فلما كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلس شرابه واستخلى به حتى سقاه واستحكاه عن الذي كان قد دبره من الامر ، فشرح له القضية ، وذكر له القصة ، فإذا الامر كما ذكر الحارث السمرقندي . فلما أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانيا فذكرها له كما ذكرها أول مرة ، فقال : ويحك إني كنت حريصا على ذلك فلم أجد إلى ذلك سبيلا بصدقك إياي في هذه القصة . ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيد وسلم إلى الأفشين ، وأمر بعجيف وبقية الأمراء الذين ذكرهم فاحتفظ عليهم ، ثم أخذهم بأنواع النقمات التي اقترحها لهم ، فقتل كل واحد منهم بنوع لم يقتل به الآخر ، ومات العباس بن المأمون بمنبج فدفن هناك ، وكان سبب موته أنه أجاعه جوعا شديدا ، ثم جئ بأكل كثير فأكل منه وطلب الماء فمنع حتى مات ، وأمر المعتصم بلعنه على المنبر وسماه اللعين . وقتل جماعة من ولد المأمون أيضا . وحج بالناس فيها محمد بن داود . وفيها توفي من الأعيان . بابك الخرمي قتل وصلب كما قدمنا . وخالد بن خداش ( 1 ) وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد . ومحمد بن سنان العوفي ( 2 ) . وموسى بن إسماعيل ( 3 ) . ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل بآمل طبرستان يقال له مازيار بن قارن بن يزداهرمز ( 4 ) ، وكان لا يرضى أن يدفع الخراج إلى نائب خراسان عبد الله بن طاهر بن الحسين ، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه ، فيبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد ليقبضه منه ثم يدفعه إلى ابن طاهر ، ثم آل أمره إلى أن وثب على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم . وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابك الخرمي ويعده بالنصر . ويقال إن الذي قوى رأس مازيار على ذلك الأفشين ليعجز عبد الله بن طاهر عن مقاومته فيوليه المعتصم بلاد خراسان مكانه ، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب - أخا

--> ( 1 ) أبو الهيثم المهلبي البصري المحدث خرج له البخاري في التاريخ ومسلم والنسائي . قال أبو حاتم وغيره : صدوق ، وقال ابن المديني : ضعيف . ( 2 ) أبو بكر البصري أحد الاثبات روى عن جرير بن حازم وطبقته . ( 3 ) أبو سلمة المنقري التبوذكي البصري الحافظ أكثر عن حماد بن سلمة وطبقته أحد أركان الحديث . ( 4 ) في ابن الأثير 6 / 495 : ونداد هرمز ، وفي الطبري : وندا هرمز ، وفي مروج الذهب 4 / 71 بندار هرمس ، وقال اسم المازيار : محمد وقد خرج سنة 225 وليس سنة 224 . قال ابن الأثير : والأصح سنة 224 ، وكان قتله سنة 225 ه‍ .